العيني

53

عمدة القاري

أخرى أن قمرا أبيض انقض عليها من السماء وهي مضطجعة ، فأخبرت زوجها السكران ، فقال : إن صدقت رؤياك لم ألبث إلاَّ يسيرا حتى أموت وتتزوجيه من بعدي ، فاشتكى من يومه ذلك ولم يلبث إلاَّ قليلاً حتى مات . قوله : ( وكانت عروسا ) العروس : نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وعن الخليل : رجل عروس وامرأة عروس ونساء عرائس . وقال ابن الأثير : يقال للرجل عروس كما يقال للمرأة ، وهو اسم لها عند دخول أحدهما بالآخر ، ويقال : أعرس الرجل فهو معرس إذا دخل بامرأته عند بنائها . قوله : ( فاصطفاها ) أي : أخذها صفيا ، والصفي سهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، من المغنم ، كان يأخذه من الأصل قبل القسمة جارية أو سلاحا ، وقيل : إنما سميت صفية بذلك لأنها كانت صفية من غنيمة خيبر . قوله : ( سد الروحاء ) السد ، بفتح السين المهملة وتشديد الدال ، والروحاء ، بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة وبالمد . موضع قريب من المدينة وفي ( المطالع ) : الروحاء من عمل الفرع على نحو من أربعين ميلاً من المدينة ، وفي مسلم : على ستة وثلاثين ، وفي كتاب ابن أبي شيبة : على ثلاثين ، وقال الكرماني : وقيل : الصواب الصهباء بدل سد الروحاء . وفي ( المطالع ) : الصهباء من خيبر على روحة . قوله : ( حلت ) قد فسرناه عن قريب في أول الباب . قوله : ( فبنى بها ) أي : دخل بها ، قال ابن الأثير : الابتناء والبناء : الدخول بالزوجة ، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج بامرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها . فيقال : بنى الرجل على أهله . قال الجوهري : لا يقال بنى بأهله . قوله : ( حيسا ) ، بفتح الحاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة . وهو : أخلاط من التمر والأقط والسمن ، ويقال : من الثمر والسويق ، ويقال : من التمر والسمن ، وعن أبي الوليد ، وليمة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، السمن والأقط والثمر . وفي لفظ : التمر والسويق . قوله : ( في نطع ) ، بكسر النون وفتح الطاء على الأفصح ، وقال ابن التين ، يقال : قطع ، بسكون الطاء وفتحها : جلود تدبغ ويجمع بعضها على بعض وتفرش . قوله : ( آذن من حولك ) أي : أعلمه لإشهاد النكاح ، وهو أمر من : آذن يؤذن إيذانا ، والخطاب لأنس ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( وليمة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ) ، الوليمة : هي الطعام الذي يصنع عند العرس . قوله : ( يحوِّي ) ، بضم الياء آخر الحروف وفتح الحاء المهملة وتشديد الواو المكسورة ، وهو رواية أبي ذر ، وقول أهل اللغة : وفي رواية أبي الحسين : يحوى ، بالتخفيف ثلاثي وهو أن يدير كساءً فوق سنام البعير ثم يركبه ، والعباءة ، ممدود : ضرب من الأكيسة ، وكذلك العباء . قوله : ( فيضع ركبته . . . ) إلى آخره ، قال الواقدي : كانت تعظم أن تجعل رجلها على ركبته ، صلى الله عليه وسلم ، فكانت تضع ركبتها على ركبته ، ولما أركبها على البعير وحجبها علم الناس أنها زوجته ، وكانوا قبل ذلك لا يدرون أنه تزوجها أم اتخذها أم ولد . وقال الجاحظ في ( كتاب الموالي ) ولد صفية مائة نبي ومائة ملك ثم صيرها الله تعالى أمة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت من سبط هارون ، عليه الصلاة والسلام ، وقال القاضي أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان النوقائي في ( كتاب المحنة ) : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد البناء بصفية استأذنته عائشة أن تكون في المتنقبات ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( يا عائشة إنك لو رأيتها اقشعر جلدك من حسنها ) فلما رأتها حصل لها ذلك ، وقيل : حديث اصطفائه صلى الله عليه وسلم بصفية يعارضه حديث أنس أنها صارت لدحية ، فأخذها منه وأعطاه سبعة أرؤس ، ويروى أنه أعطاه بنتي عمها عوضا منها ، ويروى أنه قال له : خذ رأسا آخر مكانها . وأجيب : لا معارضة ، لأن أخذها من دحية قبل القسم وما عوضه فيها ليس على جهة البيع ، ولكن على جهة النفل أو الهبة ، غير أن بعض رواة الحديث في الصحيح يقولون فيه : إنه ترى صفية من دحية ، وبعضهم يزيد فيه بعد القسم . والله أعلم أي ذلك كان ، وفي ( حواشي السنن ) : الإمام إذا نفل ما لم يعلم بمقداره له استرجاعه والتعويض عنه ، وليس له أن يأخذه بغير عوض ، وإعطاء دحية كان برضاه فيكون معاوضة جارية بجارية . فإن قلت : الواهب منهي عن شراء هبته . قلت : لم يهبه من مال نفسه ، وإنما أعطاه من مال الله ، عز وجل ، على جهة النظر كما يعطي الإمام النفل لأحد من أهل الجيش نظرا . ومما يستفاد من هذا الحديث : أنه يدل على أن الاستبراء أمانة يؤتمن المبتاع عليها بأن لا يطأها حتى تحيض حيضة إن لم تكن حاملاً ، لأن الحامل لا توطأ حتى تضع لئلا يسقي ماؤه زرع غيره . وأجمع الفقهاء على أن حيضة واحدة براءة في الرحم إلاَّ أن مالكا والليث قالا : إن اشتراها في أول حيضها اعتد بها ، وإن كانت في آخرها لم يعتد بها ، وقال ابن المسيب :